الرئيسية / الأئمة الإثنا عشر / الإمام الحسين بن علي الشهيد / عرس القاسم بن الحسن عليهما السلام بين الحقيقة والخرافة

عرس القاسم بن الحسن عليهما السلام بين الحقيقة والخرافة

بسم الله الرحمن الرحيم

عرس القاسم بن الحسن عليهما السلام بين الحقيقة والخرافة

عرس القاسم بين البحث والتقليد

بداية وقبل مناقشة تفاصيل وحيثيات قصة عرس القاسم (التي وصفها بعضهم بأنها أسطورة شعبية!! والبعض الآخر أنها خرافة!!) لابد من التأكيد على نقطة أساسية ومهمة جدا وهي أن هذه القضية وإن تعرض لها بعض العلماء في أجوبة الاستفتاءات الموجهة إليهم، إلا أن الإنسان ليس ملزما بمتابعة رأي أحد فيها باعتبارها قضية تاريخية وردت ضمن رواية واحدة فقط (كما سيأتي)، وفي مثل هذه القضية يمكن للباحث أن يعطي رأيه فيها سواء كان رأيه مصيبا أم خاطئا، لأن القضية التاريخية إن لم تكن متواترة ولم تكن مرتبطة بالأصل العقائدي فإنه يحق للباحث أن يدلي برأيه فيها شريطة أن يكون ملما بالمصادر ومنطلقا من أصول البحث العامة (بخلاف التشكيك أو الطعن في شهادة الزهراء عليها السلام المتواترة والمرتبطة بالمعتقد)، وقصة زواج القاسم هي من هذا القبيل فلم يقل الفريق المؤيد أو الرافض لها أنها مرتبطة بأي أصل عقائدي كما لم يدع أي طرف أنها متواترة بل أنها خبر واحد مرسل.
إذن لا يصح الطعن في قصة عرس القاسم بن الإمام الحسن المجتبى عليهما السلام بحجة أن هناك نتائج توصل إليها بعض العلماء في هذا الموضوع وتصب في خانة رفض قصة العرس من دون بيان أسباب الرفض، إذ لو كان الأمر مقصورا على ذلك لصح لمن يؤيد عرس القاسم أن يكتفي برأي العلماء الذين أوردوا القصة وقبلوها على نحو الاحتمال أو الجزم سواء من الفقهاء أو من العلماء الذين كتبوا بعض المؤلفات في هذا الخصوص أيضا.

نعم للقبول أو الرفض مع الدليل

ولقد أجاد بعض العلماء ممن رفضوا قصة الزواج حيث ذكروا الوجوه التي استدلوا بها في البطلان، فإن ذكر الوجه والدليل يساهم في مناقشته ومن ثم تفعيل الحوار للوصول إلى النتيجة الصائبة، أما طريقة: “لم يثبت عندي” أو “لا أساس لها من الصحة” – الدارجة في أجوبة الاستفتاءات المقتضبة – والاكتفاء بها من دون عرض للأدلة ونقاش لما يقوله الآخر فهي تنفع لمن يريد التقليد ولايريد البحث فيما يجوز له البحث فيه، وهو معذور أيضا إن تبع رأي مرجعه القائل بعدم الصحة، ونحن لا شأن لنا في هذه المقالة مع هؤلاء، ولكن محط البحث هنا هو الفئة الباحثة المستندة لما تراه دليلا.

باؤك تجر وبائي لاتجر

وإن أصر البعض على عدم إمكانية البحث في هذه القضايا إلا للمجتهدين واتباع طريقة الاستفتاءات، فالمطلوب منهم أن يعترضوا أولا ( على سبيل المثال لا الحصر فالأمثلة بالعشرات!! ) على من أعطى رأيه من الباحثين غير المجتهدين في قضية عبد الله بن سبأ وقال بعدم وجود مثل هذه الشخصية من الأساس بالرغم من أن أعلام الطائفة ومجتهديها الكبار كالشيخ الطوسي وغيرهم كانوا مؤمنين بها وكما يقر بذلك ذلك الباحث غير المجتهد.

الكتب المؤلفة في عرس القاسم

وقد تحولت هذه المفردة الجزئية من أحداث واقعة كربلاء إلى موضوع قد يصح أن يوصف بالجدلي، فقد ألفت فيه الرسائل والمؤلفات المختصة به، فقد تبنى كل طرف وجهة نظر مخالفة للأخرى، وهذه أسماء بعض مؤلفات الفريق الرافض لعرس القاسم، نقلناها كما عرضها الآغا بزرك الطهراني في موسوعته القيمة الذريعة:
“( 1598: التقرير الحاسم لعرس القاسم) للسيد ظهور حسين البارهوي اللكنهوي، سكن بها من 1302 هـ إلى أن توفي بها في أول ذي القعدة 1357 هــ”. (الذريعة ج4 ص366) والسيد ظهور حسين تلميذ السيد أبي الحسن بن السيد بنده حسين. (الذريعة ج3 ص388)
” (1142: قول صواب) في نفي عرس القاسم للسيد ظهور الحسين، بلسان الأردو”. (الذريعة ج17 ص212)
وأما في موسوعة مؤلفي الإمامية ج1 ص102 فقد جاء ضمن تعداد الكتب التي ألفها آل محمد بن أصغر حسين النقوي الأمروهي المتوفى سنة 1325 هـ:
” 2 – بيان حاسم در نفي عروسي قاسم (أردي / تاريخ التشيع) ………..
10 – دو غازه شاهد، رد على الأخبار التي تفيد زواج القاسم بن الإمام الحسن عليه السلام. ( أردي / تاريخ التشيع)”.
وهناك جملة من الكتب والرسائل المؤلفة التي لم نعلم حتى الساعة موقف كتابها وإن كان يرجح لدينا بحسب بعض القرائن أن مؤلفيها من جملة الفريق الرافض، وهي:
” {649 : البيان المبرهن} في عرس القاسم بن الحسن عليه السلام، للسيد الحاج ميرزا علي بن السيد الحجة ميرزا محمد حسين المرعشي الحائري الشهير بالشهرستاني، المتوفى سنة 1344 هـ، وهو مطبوع”. (الذريعة ج3 ص183)
“( 806: جواب السؤال عن عرس القاسم عليه السلام) للميرزا علي بن الميرزا محمد حسين الحسيني الحائري الشهرستاني المتوفى في 1344، وهو غير رسالته الموسومة “البيان المبرهن في عرس قاسم بن الحسن” المذكور في ج3 ص183″. (الذريعة ج5 ص183)
أما الفريق المؤيد لعرس القاسم فمن أهم مؤلفاته:
” (1447 : الحجج القاطعة في إثبات وقوع عرس القاسم بن الحسن عليه السلام والرد على “التقرير الحاسم” المذكور في ج4 ص 366، مطبوع بالأردوية. للسيد أبي الحسن علي بن نقي شاه الكشميري اللكنهوي الذي كان تلميذ علي محمد بن السيد محمد بن السيد دلدار علي النصير آبادي اللكنهوي”. (الذريعة ج6 ص264)
” (966: دفع المغالطة) في مسألة عرس القاسم بن الحسن عليه السلام بكربلاء، للحكيم محمد كاظم اللكنهوي، مطبوع بالأردوية”. (الذريعة ج8 ص231)
“(986: دق الخيشوم في جواز قراءة عرس القاسم المظلوم) لبعض علماء الهند، رد على التقرير الحاسم المذكور في ج4 ص366″. (الذريعة ج8 ص235)
” (19: القاسمية) في تحقيق عرس القاسم بن الحسن عليه السلام لتاج العلماء السيد علي محمد اللكنهوي المتوفى 1312 هـ، ومر للمؤلف الغرة”. (الذريعة ج17 ص4، ويراجع باقي تصنيفات هذا العالم في ج16 ص33)

المهم هو المنهج لا النتيجة


وما يهمنا ليس إثبات أو نفي وقوع هذا الزواج بقدر ما يعنينا مناقشة الطريقة المتبعة في الرفض والمنهج الذي يحاكم النصوص، مما يعني فيما لو تم قبوله رفض العديد من الوقائع الثابتة وبنفس المنهج المتبع. كما أنه لايعنينا كثيرا نسبة كل دليل يعرضه الفريق الرافض إلى قائله، إذ العبرة في الدليل نفسه وليس قائله، فإن تعرضنا لذكر القائل فلخصوصية فرضها النقاش نفسه.

أما أهم الاعتراضات والشبهات المطروحة على قصة عرس القاسم بن الحسن عليه السلام فهي كالتالي:

الاعتراض الأول:
إن هذا الخبر لم يرو قبل الطريحي، فكيف يصح الاعتماد على رواية مرسلها أوردها الطريحي بصيغة “نقل”، ولم ترد في كتب المقاتل المشهورة.

الجواب:
سنذكر لاحقا أن القصة مروية قبل الطريحي، غير أن عدم وجود رواية ما ضمن كتب المقاتل المعتبرة لايجعل الرواية مكذوبة أو مختلقة لأننا نعلم جزما بوجود كتب كثيرة كانت موجودة عند من سبقنا ومفقودة الآن، بل إن هناك الكثير من المخطوطات التي لم تر النور حتى الساعة، وكثيرا ما تنفرد تلك المخطوطات بعد تحقيقها وطباعتها بخصائص تميزها عما عداها.
على أنه قد جرت العادة أن تنفرد أغلب كتب الحديث والتاريخ بخبر منحصر فيها ولايوجد في غيرها، فهذا الحديث مثلا بهذا النص لاتجده إلا في التهذيب، وهذا الحديث لاتجده إلا في الكافي، ولم نجد أحدا من الفقهاء توقف عن العمل بذلك الحديث لأنه لم يرد إلا في مصدر واحد، بل إن الخبر الواحد لم يسم بهذا الإسم إلا لأنه لايرويه في الغالب إلا شخص واحد، فعلام الطعن في رواية العرس بالخصوص وعدم الطعن في عشرات روايات الآحاد الأخرى؟!! مع أنها كلها من باب واحد!!
ومع كون مؤلف الكتاب كالطريحي وأمثاله ممن نعلم بأنهم لايختلقون الأخبار ولايكذبون بجعل ما ليس موجودا لجلالة شأنهم ومقامهم، فلا يصح رد روايتهم مع احتمال نقلهم عن كتب كانت بحوزتهم لم تصل إلينا، وقد كنا قد أشرنا في مقال سابق وضمن مناقشة الشهيد المطهري حول رأيه في كتاب روضة الشهداء ومؤلفه الكاشفي أن السيد ابن طاووس وعلى سبيل المثال نقل عن جملة من الكتب المفقودة لدينا كالمرشد وكتاب النبوة للصدوق والأمالي للشيباني والرسالة العزية للمفيد والتعريف للصفواني (الإقبال ج1 ص47، 65، ج3 ص162، 272)، وأن بعضها كان موجودا قبل 318 عاما عند السيد هاشم البحراني الذي نقل عنها في كتابه مدينة المعاجز ج2 ص314.
كما أن كون الرواية مرسلة لايعني أن الرواية مكذوبة بل يعني أنها ضعيفة السند، وهذا غير منحصر بقصة عرس القاسم فكل ما يرويه المفيد في الإرشاد وابن طاووس في اللهوف حول مقتل الإمام الحسين عليه السلام من قبيل المرسل، ولم نجد أحدا اعترض عليهم أو رفض نقلهم بحجة الإرسال، لأن الرواية التاريخية إما لا يعتبر فيها صحة السند كما عليه البعض أو أن عدم وجود خلل في مضمونها كاف في عدم ردها وصحة نقلها والبناء عليها لأن مقياس القبول فيها يختلف عن الرواية الفقهية.

الاعتراض الثاني:
إن رواية عرس القاسم مدسوسة في كتاب المنتخب وموضوعة عليه، وقد بلغ الأمر حدا أن السيد المقرم ادعى وقال: “والشيخ فخر الدين الطريحي عظيم القدر، جليل في العلم، فلا يمكن لأحد أن يتصور في حقه هذه الخرافة، فثبوتها في كتابه “المنتخب” مدسوسة في الكتاب وسيحاكم الطريحي واضعها في كتابه”. (مقتل الحسين ص264 الهامش4)
بل وزاد على المقرم الشيخ ذبيح الله المحلاتي حيث قال:
“وما جعلوه سندا لهم في الألسنة من أن الطريحي في منتخبه ينقل القصة عن غيره، فإنه (أي الطريحي) يقول: “إن هذه القضية لم نظفر بها في الكتب المعتبرة والروايات المعتمدة”، ولا شك أن هذه العبارة لها دلالة صريحة في أن الطريحي نفسه لم يعتمد على ذلك النقل”. (فرسان الهيجاء ج2 ص31)

الجواب:
إن دعوى السيد المقرم (وبتبعه الشيخ المحلاتي) إدعاء من غير برهان ودليل، فمن أين علم السيد المقرم ذلك وبينه وبين الشيخ الطريحي ما يزيد عن المائتين عاما، ولم ينسب السيد المقرم تهمة الدس إلى طرف بعينه كما لم ينقله عن أحد ممن سبقه وكان قريب العهد بالشيخ الطريحي، بل أطلقها من غير استناد.
على أننا نعلم جزما أن هناك من نقل قصة عرس القاسم قبل الطريحي بما يقرب من المائتين عاما أي الكاشفي المتوفى سنة 910 هـ، حيث نقلها في كتابه روضة الشهداء ص 400، ومن الجائز أن البعض قام بترجمة ما ذكره الكاشفي ثم قام الطريحي بنقله في كتابه.
ومما يؤيد ذلك أن هناك مصدرا عربيا آخر للقصة، يختلف في نصه مع ما أورد في كتاب المنتخب للطريحي وإن كان مشابها له إلى حد كبير، أورده النسابة ضامن بن شدقم بن علي الشدقمي الحمزي الحسيني المدني وهو من معاصري الشيخ الطريحي، حيث يعد من أعلام القرن الحادي عشر، ولايعلم تاريخ وفاته على وجه التحديد، غير أنه ذكر في ديوانه أن تاريخ ولادة بعض أولاده كان في سنة 1088هـ في مدينة إصفهان الإيرانية (تحفة لب اللباب ص29)، ونفس اختلاف النصين العربيين يؤكدان على أن المصدر الأصلي الذي نقلا عنه قصة العرس إما كان مختلفا إذا افترضناه عربيا، وإما أن المصدر الأصلي واحد وهو مصدر فارسي والاختلاف وقع في الترجمة، وهذا ما نستقربه.
على أنه لو فرضنا أن الرواية مدسوسة في كتاب المنتخب فلن يضر ذلك بالقصة شيئا مع نقلها في مصدر أقدم من المنتخب، أي روضة الشهداء للكاشفي.
أما ما ادعاه الشيخ المحلاتي من أن الشيخ الطريحي صرح بالعبارة المنسوبة إليه فلم يثبت بذلك نقل أو مصدر معتمد بين أيدينا، فالموجود في كتابه المنتحب قصة العرس من دون الزيادة التي نسبها إليه الشيخ المحلاتي. ولو افترضنا جدلا صحة هذا النقل ووجوده في كتب الطريحي فإن هذا يؤكد عدم صحة تهمة الدس والوضع إلى كتاب المنتخب التي ذكرها السيد المقرم بل يؤكد أن الشيخ الطريحي ذكرها بنفسه ولكنه لم يظفر بها في الكتب المعتبرة والروايات المعتمدة عنده، وقد يكون غير مطلع على الكتب الفارسية كروضة الشهداء للكاشفي، هذا فضلا عن أن كون كتاب ما غير معتبر عنده لا يعني عدم اعتبار الكتاب عند غيره، فما أكثر الكتب التي اختلف العلماء في مدى اعتبارها.

الاعتراض الثالث:
إن رواية عرس القادم لم تنقل قبل كتاب روضة الشهداء للكاشفي في كتب المقاتل والتاريخ، ولو كانت موجودة لأشار إليها ولو على نحو الإجمال من سبقه ممن كتبوا في مقتل الإمام الحسين عليه السلام؟

الجواب:
إن ذهنية المعترض مبنية على أن ما بلغنا عن واقعة كربلاء هو كل ما حصل فيها، بالرغم من أن ما وصل إلينا عبارة عن حصيلة ضم بعض الأخبار إلى بعض، أي ضم ما رواه الطبري إلى ما رواه الشيخ المفيد إلى ما رواه السيد ابن طاووس وهكذا، وهذا الضم هو الذي يسد النقص الموجود في بعض المصادر، ويحقق الترابط في الحادثة، ولكنه مع ذلك لا يعني أنه كل ما جاء حول الواقعة إذ أن إمكانية وجود العديد من الخصوصيات غير المنقولة قائما، ولم يجرؤ أحد من الباحثين والمؤرخين أن يقول مثلا أن ما جاءنا عن كربلاء هو نفس ما وقع فيها دون نقيصة. كما لم يدع أي باحث أن كل مؤرخ كتب في مقتل الحسين لابد أن يكون مطلعا على جميع أخباره بحيث لا يشذ عنه خبر، بحيث لو لم نجده في كتابه فإن ما نقله غيره من المؤرخين يكون باطلا، على أنه لو فرضنا ذلك جدلا فلم يدع أحد أيضا أنه يجب على المؤرخ أن يدون كل ما بلغه في كتابه بحيث لو لم يدونه فهذا يلازم عدم وروده.
وبناء عليه فمن الجائز أن يكون الكاشفي قد عثر على بعض الكتب التي فيها قصة عرس القاسم ثم نقلها في كتابه، وليس المطلوب أكثر من هذا الاحتمال، وهو وارد ولا يمكن الجزم بعدمه، ومن يدع ذلك فليأت بالدليل!!!
وكما ذكرنا فإن وجود كتب عند بعض السابقين مفقودة الآن ليس بالأمر الغريب، ومن باب التأكيد نشير إلى أن الشيخ الكفعمي المتوفى بعد العام 895 هـ ( أي أنه يعد معاصرا للشيخ الكاشفي المتوفى سنة 910 هـ ) نقل في كتابه مجموع الغرائب وموضوع الرغائب عن كتب كثيرة مفقودة الآن من قبيل غرر الجواهر والمثالب ومطالع الأنوار وآداب النفس وغيرها، فما وجه الاستبعاد أن يكون معاصره الكاشفي قد عثر على رواية عرس القاسم في بعض الكتب التي كانت عنده من كتب السابقين؟!

وبعد,  فإن عدم وجود رواية زفاف القاسم في المصادر المعتبرة لايعني أنها مكذوبة، فهي منقولة في كتاب الكاشفي والشدقمي والطريحي، وتأخر نقلهم لها لا يجعلها مكذوبة فرواية الأربعين نقلها السيد ابن طاووس في القرن السابع الهجري ورواية صلاة الوحشة للميت نقلت في القرن التاسع الهجري، واعتمد عليها الفقهاء، فلماذا لا تصح رواية عقد القاسم المنقولة في العاشر الهجري؟؟

الاعتراض الرابع:
إن أول من نقل قصة عرس القاسم هو الكاشفي السبزواري وهو مشكوك في مذهبه، كما أن كتابه يحتوي على بعض الأخبار التي يعلم بطلانها، فكيف يصح الاعتماد على نقله؟

الجواب:

هناك العديد من علمائنا الكبار ممن مدح الكاشفي ونسبه إلى التشيع مثل الشيخ آغا بزرك الطهراني والشيخ عباس القمي والسيد محسن الأمين والميرزا عبد الله الأفندي الاصفهاني، على أنه لو فرضنا انه لم يعلم مذهبه بالضبط فهذا لا يشكل مطعنا فيه وفي كتابه لأن مذهب المؤلف لا علاقة له بالأخذ عنه، فكيف يصح الأخذ من تاريخ الطبري السني ولا يصح الأخذ من الكاشفي لأنه مشكوك في مذهبه؟!! كما أن احتواء كتابه على ما يعلم بطلانه لا يوجب رد ما لم يعلم بطلانه، إذ لو صح ذلك لوجب رد حتى مثل كتاب الكافي الذي يقول عنه السيد الخوئي: “إن اشتمال كتاب على أمر باطل في مورد أو موردين لا يدل على وضعه، كيف ويوجد ذلك في أكثر الكتب حتى كتاب الكافي الذي هو أمتن كتب الحديث وأتقنها”. (معجم رجال الحديث ج8 ص225)

الاعتراض الخامس:
إن غاية ما يثبته النقل في قصة عرس القاسم هو احتمال صدور الخبر، والخبر المحتمل الصدور لايجوز نسبته إلى الإمام عليه السلام على أنه قد صدر منه ، وفي بعض الاستفتاءات أنه : “لا يجوز الكذب ولا إسناد مالم يثبت إليهم عليهم السلام”، وقد صرح بعض الفقهاء كالسيد الخوئي أن خبر العرس لم يثبت. (المسائل الشرعية ج2 ص335)

الجواب:
إن ما قاله بعض الفقهاء كالسيد الخوئي من عدم الثبوت لا يعني أنه قد ثبت عدم القصة، وفرق كبير بين عدم الجزم بالثبوت وبين الجزم بعدم الثبوت. وأما مسألة عدم جواز نسبة ما لم يصدر إليهم فهو لا يختص بعرس القاسم بل هو جار في كل الروايات الأخرى، فلماذا اختص عرس القاسم بهذا التأكيد والتركيز من الفريق الرافض؟ فما يصح نسبته إلى المعصوم هو الحديث المعتبر في سنده والخالي من المضمون الباطل قطعا، ومن الواضح أن ما جاء في جواب مكتب بعض المراجع لبعض الاستفتاءات من عدم جواز نسبة عرس القاسم إلى المعصوم فإنه لم يتطرق في ضمن الجواب لأي إشكال في القصة من جهة المضمون بل من جهة السند، نظير ما يقوله الفقهاء من مفطرية وحرمة الكذب على الله ورسوله في شهر رمضان وعدم جواز نسبة ما لم يثبت نسبته إليهم، وفي هذا الصدد لا فرق بين عرس القاسم وغيره من أحداث كربلاء، فمن يستطيع أن يأتي بالمقتل ضمن الحديث الصحيح السند!!
ولكن ألا يخشى الفريق الرافض أن ينفي عرس القاسم على نحو الجزم وينسب القصة إلى الخرافة والاختلاق مع أنها قد تكون صادرة في الواقع، فيكون ممن ارتكب الكذب بنفي ما كان ثابتا إليهم في الواقع؟!
كما أن هنا مسألة مهمة ترتبط بمسألة ما يجوز نقله للخطيب وما لايجوز إليه أثارها آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي حفظه الله تعالى، فيها رد على بعض ما جاء في أجوبة استفتاءات مكتب أحد المراجع (إن صحت نسبتها إلى ذلك المرجع) التي قالت: ” ولابد من تجنب كل ما يحرم شــرعاً ومنها الكذب ونسبة ما لمتثبت صحته إليهم ـ عليهم السلام ـ ومن ذلك قصة الزفاف”، فجعلت قصة الزفاف مما يجب اجتنابه ومن المحرم شرعا، علما بأن السيد الخوئي وغيره من الفقهاء لم يحرموا نقل القصة وإن قالوا بعدم ثبوت نسبتها، فإن المحرم هو نقل ما ثبت عدم نسبته أو نقل ما لم يثبت نسبته على أنه منسوب، أما مجرد النقل مع احتمال كونه منسوبا فليس في ذلك أي حرمة، وفي هذا المجال يقول الميرزا التبريزي:
” ومما ينبغي للقارئ والمستمع التنبه له أن ما يقال في مجالس التعزية ويعتمد القارئ في قراءته عليه ليس كاعتماد الفقيه في تعيين التكاليف والوظائف الشرعية لآحاد المكلفين، حيث أن الفقيه يبذل جهده في إحراز الوظائف والتكاليف الشرعية التي قامت عليها حجة معتبرة من قبل الشارع، ولا يكفي بالاحتمال والرجاء ونحو ذلك، وهذا بخلاف ما يقرأ أو يسمع بالنسبة لمصائب سيد الشهداء (عليه السلام) فإنه قد ذكرنا أنه يجوز للخطيب والقارئ أن ينقل ما يحتمل صدقه بحسب ما وصل إليه النقل دون ما يعلم كذبه”. (رسالة مختصرة في لبس السواد – الملحق المذكور في نهاية الرسالة)
وما لم ينقل جواب استفتاء مكتب بعض المراجع الدليل على كذب القصة واختلاقها من قبل ناقلها فلا يصح نسبة الحرمة إلى من ينقلها من الخطباء، أما الحرمة المدعاة من جهة أن ناقل القصة ينقلها على أنها حتمية الحصول ومقطوعة وبالتالي يتحقق إسناد ما لم يثبت نسبته إليهم فهذه قضية خارجية تعود إلى قصد ناقلها من الخطباء، فمن أين نعلم أن الخطباء الناقلين لهذه القصة ينقلونها على أنها حتمية الحصول، فإنهم يقرأون ما جاء في المقاتل التي أغلبها مما لم يصح فيه السند المعتبر كما جاءت، والصحيح في مثل هذه الحال أن يقال: “ويحرم نقلها إن قصد الناقل ثبوت نسبة القصة على نحو القطع” أي تعليق الحرمة على الشرط (وهو قصد القطع بالثبوت).

الاعتراض السادس:
إن حدثا مهولا كيوم عاشوراء وما جرى فيه من أحداث عظيمة لا تدع المرء يفكر في عرس وزفاف، فكيف يمكن التفكير في عرس وسط أجواء القتال والشهداء والمصائب، والمحن تلف الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته من كل حدب وصوب؟

الجواب:
إن قصة العرس كما هي منقولة في مصدرها تؤكد على أن الإمام الحسين عليه السلام كان ممتثلا بوصية تزويج القاسم عليه السلام من قبل أخيه الإمام الحسن عليه السلام، وتنفيذ وصية الموصي مع قدرة الوصي أمر مطلوب، وليس هناك أي غرابة في تنفيذه بل الغرابة والاستنكار في عدم إنفاذ الوصي قبل موته لوصية الموصي مع قدرته على ذلك ، ومسألة العرس لم تتجاوز إلباس القاسم ملابس أبيه الإمام الحسن عليه السلام وقراءة صيغة العقد بينه وبين بنت الإمام الحسين عليه السلام المسماة له ووضع أيديهما بيد بعض والخروج من الخيمة، وهذا كله لا يتجاوز بضع دقائق، وهي أقل فترة زمنية يمكن للإمام الحسين عليه السلام أن يحقق فيها وصية أخيه الحسن عليه السلام ويراعي فيها أيضا مقتضيات الحال والحرب.
وقد يقال إن طلب الإمام الحسين عليه السلام من أم القاسم أول الأمر ثيابا جددا للقاسم لا يتناسب مع الحال إذ فيها بعض مظاهر الاحتفاء والاحتفال، ولكنه مردود من جهة أن الإمام الحسين عليه السلام كان يعلم بأن القاسم عليه السلام سيستشهد ولبس جديد الثياب عند قصد لقاء الله تعالى أمر حسن وكما ينقل مثله عند وفاة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام حينما طلبت لبس ثياب جدد قرب حلول أجلها ( أمالي الطوسي، المجلس 14 ح41، عنه البحار ج43 ص172 ح12)، وعندما لم تتوفر تلك الثياب ألبسه لباس أبيه ، ولعل ذلك اللباس مما كان يحتفظ به الإمام الحسين عليه السلام من ملابس أخيه عندما كان صغيرا أو أنه تم جمعه أو تقصيره.
إن أكثر الخلط الحاصل عند المعترضين على قصة عرس القاسم هو ما يقوم به المحبون من مراسم تذكارية من قبيل توزيع الحلوى أو نثر المكسرات وإشعال الشموع وغير ذلك مما يتناسب مع أجواء العرس الحقيقية، فيظنون أن الذي وقع في كربلاء هو من هذا القبيل، بالرغم من أن قصد المحبين هو تهييج القلوب حيث أنهم يقرأون مع تلك المراسم أشعارا حزينة حول حرمان القاسم عليه السلام من العرس والزواج وهو في مقتبل العمر وأن خضاب العرس هو الدماء المنبعثة منه، وهذا يهيج المصيبة في قلوب السامعين والناظرين ولايعني أن القاسم لم يكن له هم إلا العرس كما يقول الشهيد المطهري، فالقاسم وكما تذكر رواية العرس نفسها وبعد عقد زواجه على بنت الإمام الحسين عليه السلام مباشرة خرج نحو الميدان لنصرة عمه حين سماعه طلب البراز.
ومن المناسب هنا نقل استفتاء وجه إلى آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (قدس سره) هذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
لمولانا وسيدنا آية الله العظمى (أدام الله ظله)
قد استمرت سيرة الشيعة على تخصيص يوم الثامن من محرم باسم القاسم بن الحسن المجتبى عليهما السلام وذكر فضائله ورثائه، وحسب العادة المستمرة إذا وصل القارئ إلى ذكره وإلقاء كلمات في حقه وهو على المنبر يأتون بالصواني وفيها الشموع والحنة والخضرة ويدخلوها في المجلس لتذكر عظيم مصيبته وأنه استشهد قي عنفوان شبابه ولم يتهنأ به ويجعلونه للقاسم “زفة”، فإذا دخلت الصواني في المجلس يقوم صياح وعويل من أهل المأتم وتجري دموع الشيعة على الخدود ويهتز المجلس الحسيني، فهل يكون في هذه العادة وهذه السيرة مانع في نظركم الشريف أم لا يكون فيه بأس؟
ظلكم مستدام على رؤوس المسلمين.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد، لا مانع من ذلك، وفيه تذكرة للمصاب الأليم والخطب الجسيم فإنا لله وإنا إليه راجعون”
24 شعبان 1387 هـ ق
محسن الطباطبائي الحكيم. (فتاوى علماء الدين حول الشعائر الحسينية ص 183)

كما أن هناك سببا شكليا آخر يدعو المعترضين إلى الاستنكار، وهو استعمال تعبير العرس الذي يوحي بالفرحة غير المتناسبة مع أحزان ومصائب كربلاء، وهذا التعبير درج عليه عامة الناس كإشارة إلى إحدى الجهات المهيجة في المصيبة، وقد استخدمناها في مقالتنا هذه من جهة صيرورته مصطلحا شائعا لا أن هناك عرسا وقع في كربلاء، فنفس رواية الطريحي صريحة بقول القاسم: “عرسنا أخرناه (أي أجلناه) إلى الآخرة”، فهل هناك تصريح أوضح من هذا في نفي حصول العرس وأن الذي جرى كان مجرد عقد زواج!!

الاعتراض السابع:
إن القاسم بن الحسن وصفته كتب المقاتل بأنه غلام لم يكن قد بلغ الحلم (مقتل المقرم ص264) أي أنه لم يبلغ سن الزواج، فكيف تصح نسبة الزواج إليه؟

الجواب:

لقد ذكر الفقهاء بل اتفقوا على صحة تزويج الصبي والصبية إذا لم يصلا إلى سن البلوغ، وأن الصبية تكون زوجة للمتزوج بها سواء كان الزوج بالغا أم لا، وتترتب عليهما أحكام الزوجية فلو مات أحدهما فإنه يرث من الآخر، غير أنهم ذكروا أنه لايجوز وطء الزوجة فقط (دون سائر الاستمتاعات) إذا لم تكمل تسع سنين، وهذا يعني أن بلوغ أحد الطرفين سن الزواج ليس ركنا في عقد الزواج، ومن يطرح مثل الاعتراض لايفقه من أمر الفقه شيئا!!!
(راجع على سبيل المثال تحرير الوسيلة ج2 ص216 ح12 ، ص227 – 228، ومنهاج الصالحين للخوئي ج2 ص259 المسألة 1231، ص260 – 261)
الاعتراض الثامن:
إن الرواية تنص على أن تنفيذ الإمام الحسين عليه السلام للعقد من جهة كونه وصيا، وقد جاء في الكتب الفقهية أنه لا ولاية للوصي في تزويج الصبي غير البالغ حتى مع نص الموصي بذلك على الأشهر بل المشهور (الجواهر ج29 ص189)، وعلى ما يظهر من الرواية فإن الإمام الحسين عليه السلام كان وصيا في هذا الزواج لتزويج القاسم الذي ينطبق عليه عنوان الصبي حيث أنه لم يبلغ الحلم؟

الجواب:
أما مسألة ولاية الوصي في تزويج الصبي مع نص الموصي فقد اختلف فيها الفقهاء، وقد ذهب إلى جوازها جمع غفير من الفقهاء منهم على سبيل المثال لا الحصر السيد الخوئي والوحيد الخراساني والسيد اليزدي والشيخ محمد حسن النجفي (منهاج الصاحين للخوئي ج2 ص261 المسألة1239، منهاج الصالحين للوحيد ج3 ص297، والعروة الوثقى ج2 ص704 كتاب النكاح فصل 12 في أولياء العقد المسألة 12، جواهر الكلام ج29 ص191) مستدلين بأدلة متفرقة منها صحيح محمد بن مسلم وأبي بصير وعموم الآية 181 من سورة البقرة. (الجواهر ج29 ص189 – 190، ومستند العروة الوثقى كتاب النكاح ج2 ص301)
والمسألة عندما تكون خلافية فإنه لايصح نسبة الخبر الدال على رأي الآخر إلى الكذب والخرافة والبطلان.
وإذا كان عدد من الفقهاء قد توقف في صحة مثل هذا الزواج وقال بحاجته إلى إذن المجتهد الجامع للشرائط فهل يمكن التشكيك في صحة فعل الإمام المعصوم عليه السلام الذي قد دلت الأدلة على ولايته العامة. فإنهم قد أثبتوا أن للمجتهد والفقيه ما كان للمعصوم عليه السلام من ولاية على تزويج الصبي، فهل يمكن أن يقال بأن للفقيه ولاية التزويج في حين لاتكون للإمام المعصوم عليه السلام تلك الولاية مع أن ولاية الفقيه على القول بالحاجة إلى إذنه مستمدة من ولاية المعصوم.؟!‍

الاعتراض التاسع:
إن بعض المقاتل تذكر أن القاسم بن الحسن عليه السلام لم يكن قد بلغ الحلم في كربلاء، ولو قلنا أنه كان بعمر 12 أو 13 عاما فإنه يكون عمره حين شهادة أبيه الإمام الحسن عليه السلام بقرابة عامين أو ثلاثة، فكيف يتصور أن يوصي الإمام الحسين عليه السلام لطفل في هذه السن بمثل تلك الوصية؟ وهل يمكن أن يدرك من بتلك السن أمر الوصية؟!

الجواب:
إن الروايات لم تتفق على عمر القاسم بن الحسن في كربلاء، كما أنها لم تتفق في سنة شهادة الإمام الحسن عليه السلام، ولم يثبت في أي واحدة منها دليل قاطع.  ففي خصوص سن القاسم، وصف ابن مخنف في مقتله القاسم بن الحسن وكذا نقل عنه الطبري في تاريخه بأنه “غلام كأن وجهه شقة قمر” (عنهما موسوعة مقتل الإمام الحسين ج1 ص123، وص268)، ومن المعلوم أن الغلام قد يكون بالغا إذ أن الغلام في اللغة يعني الطار الشارب أي من نبت وطلع شاربه (المفردات في القرآن للراغب الاصفهاني ص613)، ونبات الشارب لايلازم البلوغ فقد يكون الغلام بالغا وقد لا يكون وإن كان في الغالب هو الوصول للبلوغ.
ولكن الخوارزمي في مقتله وصفه بأنه: “غلام صغير لم يبلغ الحلم” (عنه موسوعة مقتل الإمام الحسين ج1 ص559)، وأما البيهقي فقد ذكر أن القاسم قتل في كربلاء وهو ابن ستة عشرة سنة (الكواكب المشرقة ج2 ص750)، وما ذكره البيهقي لا يتنافى مع ما رواه الطبري ولكنه مناف لرواية الخوارزمي.
وأما في خصوص سنة شهادة الإمام الحسن عليه السلام فقد نص جمع من المؤرخين والعلماء إلى وقوع الاختلاف في ذلك كأبي الفرج الإصفهاني في مقاتل الطالبيين وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة وابن عبد البر القرطبي في الاستيعاب. (راجع عوالم الإمام الحسن ص271 رقم1 و2، وص275 برقم8)
وقال ابن الأثير:
“وقد اختلف في وقت وفاته فقيل: توفي سنة تسع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين”. (أسد الغابة ج2 ص21)
وقد تبنى أبو الفرج الإصفهاني أن شهادته كانت في السنة 50 هـ (مقاتل الطالبيين ص59)، وكذلك ذكر الشيخ المفيد في مسار الشيعة والطبرسي في تاج المواليد. (مجموعة نفيسة ص51 و82)
وقد روى الكليني في الكافي وبسند صحيح (عند من يقول باعتبار كل من محمد بن سنان وإبراهيم بن مهزيار كالمامقاني والعلامة المجلسي وآخرين) عن سعد بن عبدالله وعبدالله بن جعفر، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن الحسن بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: “قبض الحسن بن علي عليه السلام وهو ابن سبع وأربعين سنة في عام خمسين، عاش بعد رسول الله أربعين سنة”. (الكافي ج1 ص461، وقال عنه المجلسي في مرآة العقول ج5 ص354: مختلف فيه، صحيح عندي.)
وذكر الشيخ الطوسي أن وفاته عليه السلام كانت سنة 49 هجرية (تهذيب الأحكام ج6 ص39)، وكذلك تبنى هذا الرأي جلال الدين السيوطي. (تاريخ الخلفاء الراشدين ج1 ص192)
بينما ذكر ابن قتيبة الدينوري أن وفاته كانت سنة 51 للهجرة. (تاريخ الخلفاء ج1 ص159، عنه قادتنا كيف نعرفهم ج5 ص303)
وبناء عليه فلو أخذنا بالتاريخ المتوسط لشهادته أي سنة 50 للهجرة، المعتضد برواية الكافي التي ذهب إلى مضمونها أغلب علماء الشيعة، وأنقصنا منها إحدى عشر عاما هي الفترة الزمنية الفاصلة ما بين تاريخ شهادته وتاريخ شهادة أخيه الإمام الحسين عليه السلام فإن عمره بناء على رواية عدم بلوغه الحلم ستكون ثلاث سنوات تقريبا، أما على رواية البيهقي يكون عمره خمس سنوات.
ولا إشكال في أن من بلغ سنه خمس سنوات فهو قابل لتفهيمه مثل تلك الوصية، وليس المطلوب في رواية عرس القاسم أن تستقيم مع جميع الروايات بل يكفي أن تكون متوافقة في مضمونها مع بعض الروايات الأخرى كي تخرج عن دائرة الاختلاق والرفض.
بل إنه لا نستبعد أن يتميز أطفال أهل ذلك البيت ممن بلغ ثلاث سنوات فقط بقدرتهم على فهم تلك الوصية، لما نقلته الشواهد الكثيرة على ما كانوا يتميزون به من فطانة ونباهة أخذوها من معدنها، بل الحق أن يقال أن المستبعد أن لايتحمل مثل القاسم عن إدراك مثل تلك الوصية. ومن الجائز مع ذلك لو قلنا برواية الخوارزمي أي بلوغه ما يقرب من ثلاث سنوات أن إخبار أبيه كان بواسطة من كان حاضرا الوصية بعد أن بلغ القاسم سنا أكبر، حيث أن المصدر الأصلي لقصة العرس وفيما بين أيدينا هي رواية الكاشفي، وقد جاء فيها:
” وحينها تذكر أن أباه قد ربط عوذة على ذراعه، وكان قد أخبره: حينما يكون الغم عليك شديدا وأحاط بك اليأس فحل هذه العوذة واقرأها واعمل بما فيها”، ولم تحدد أن الإخبار كان مباشرة أم لا.
ومما تجدر الإشارة إليه أنه لو قلنا بأن القاسم بن الحسن عليه السلام كان قد بلغ الحلم في كربلاء فإن هذا القول لن يؤثر في الأجوبة التي مرت على الاعتراضين السابقين فإن الاعتراض السابع كان مبنيا على عدم إمكانية زواج الصبي وقد أجيب عنه بناء على كون القاسم صبيا، أما مع القول ببلوغه فهو منتف بالأساس لأن البالغ أمر تزويجه بيده.
كما أن الاعتراض الثامن كان مبنيا على أن الإمام الحسين عليه السلام هو الوصي على القاسم في أمر تزويجه، أما لو قلنا بأنه كان بالغا فإن الوصاية عليه لن يكون لها معنى، ولكن حيث يظهر من نص الرواية أن الموصى في التزويج هو الإمام الحسين عليه السلام وإن كان لها تعلق بالقاسم بن الحسن عليه السلام وحيث يظهر منها أيضا أن الإمام الحسين عليه السلام كان قد قبل تنفيذ ما أوصى به أخوه عليه السلام ولم يكن القاسم ليرفض إرادة أبيه فإن شبهة تزويج القاسم عليه السلام مدفوعة.
الاعتراض العاشر:
إن الإمام الحسين عليه السلام لم يكن له من البنات سوى ثلاثة وهن: فاطمة وكانت تحت حبالة الحسن المثنى، وسكينة ولم تكن في حد الزواج، ورقية وكانت صغيرة. (مدينة المعاجز ج3 ص371 الهامش 4 بتعليق مؤسسة المعارف الإسلامية، بإشراف: الشيخ عزة الله المولائي)
أي لم يكن من بنات الحسين من هن بسن الزواج غير فاطمة بنت الحسين المتزوجة أساسا، فكيف يصح تزويجه بالمتزوجة، يقول الشيخ محمد تقي التستري:
“وما اشتهر من تزوجه فقصة، وليس للحسين عليه السلام إلا فاطمة واحدة، وقد زوجها قبل من أخيه الحسن المثنى”. (قاموس الرجال ج8 ص466)
وقال الشيخ ذبيح الله المحلاتي:
“ولا شك أن فاطمة بنت الحسين كانت زوجة للحسن المثنى، وكان زوجها حاضرا في كربلاء، فكيف يمكن أن يكون هناك أساس وأصل لهذا النقل؟!، ولم يكن للإمام الحسين عليه السلام في كربلاء بنت أخرى باسم فاطمة”. (فرسان الهيجاء ج2 ص31)
وقال الشيخ أحمد الوائلي:
“والمرأة المروي أنه تزوج بها كانت ذات بعل يومئذ يوم الطف”. (تجاربي مع المنبر ص100)

الجواب:
إن هذا الاعتراض كالاعتراض السابع مبتن على عدم صحة تزويج الصغيرة، وهو اعتراض تفنده عشرات الأدلة الفقهية، مع أنه في خصوص هذا الاعتراض لايرد ما ورد في الاعتراض الثامن حيث أنه وقع فيه الخلاف في صحة تزويج الوصي للصبي مع وصية الموصي، ولكنهم لم يختلفوا في جواز تزويج الولي من الأب (كالإمام الحسين عليه السلام) لابنته الصغيرة أو الجد من طرف الأب لحفيدته، إلا ما ينسب إلى ابن أبي عقيل من إنكار ولاية الجد(مباني العروة الوثقى كتاب النكاح ج2 ص248)، وهذا يعني عدم وجود أي خلاف في ولاية الأب.
والممنوع في خصوص الصغيرة هو الدخول بها، فإنه لايجوز الدخول بالصبية قبل بلوغها تسع سنين، ورواية العرس صريحة في عدم تحقق الدخول، بل إن مقتضى الحال في ذلك اليوم العظيم ومن أهل ذلك البيت العظيم يكذب أي تحقق للدخول حتى لو قلنا بأن البنت المسماة للقاسم كانت في سن البلوغ.
نعم الحوار الذي نقله الطريحي فيما دار بين الإمام الحسين عليه السلام وبنت الإمام الحسين عليه السلام يدلل على أن البنت المسماة للقاسم كانت على مستوى من الوعي والإدراك بحيث تفهم معنى العقد والعرس وعلاقة الزوجية، وهذا أمر ممكن حتى عند البنت الاعتيادية البالغة سبع سنوات بل وما دون ذلك وخاصة عند الفطنات، ولاغرابة في نسبة بنات الإمام الحسين عليه السلام للفطانة والنباهة فقد تربين في منبعهما بل الغريب أن لا يكن كذلك.
ولو تجاوزنا الجواب السابق فإنه قد وقع خلاف في عدد بنات الإمام الحسين عليه السلام، فالشيخ المفيد في الإرشاد لم يذكر منهن سوى اثنتين، قال (رض): “وسكينة بنت الحسين وأمها الرباب بنت امرئ القيس بن عدي كلبية معدية، وهي أم عبد الله بن الحسين عليه السلام، وفاطمة بنت الحسين عليه السلام وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبد الله تيمية”. (عنه البحار ج45 ص329)
وتبعه على ذلك الطبرسي المتوفى سنة 548هـ فقد حددهن في كتابه “تاج المواليد” باثنتين: فاطمة وسكينة. (مجموعة نفيسة ص88)
وهكذا حددهن العلامة الحلي في كتابه “المستجاد من الإرشاد”.(مجموعة نفيسة ص290)
أما ابن أبي الثلج البغدادي المتوفى سنة 325 هـ فقد حددهن في كتابه “تاريخ الأئمة” في ثلاثة: زينب، وسكينة، وفاطمة، وكذلك قال ابن الخشاب البغدادي المتوفى سنة 567هـ. (مجموعة نفيسة ص18 و133)
وأيدهما على هذا الرأي ابن شهراشوب في المناقب. (عنه البحار ج45 ص331)
ونقل الأربلي في كشف الغمة عن كمال الدين بن طلحة أنه كان للحسين عليه السلام أربع بنات. (البحار ج45 ص331)
وهذا التفاوت في عدد البنات بل والذكور أيضا حيث تردد عددهم بين أربعة وستة، لا يسمح للقطع في عدد البنات ومن هي التي كانت مسماة للحسين عليه السلام؟
ومسألة الاختلاف في عدد أولاد الأئمة لم يقتصر على ما ورد في حق أولاد الإمام الحسين عليه السلام فقد وقع الاختلاف في عدد أولاد جملة من الأئمة، وسنقتصر على مثال واحد وهو الاختلاف في ذرية الإمام السجاد عليه السلام حيث اختلفوا في عدد أولاده، فمنهم كابن الخشاب قال له ثمانية أولاد وليس له بنات، ونقل الأربلي في كشف الغمة أن هناك من قال بأنه كان له تسعة أولاد ذكور ولم يكن له إنثى، ومنهم كابن شهراشوب قال أن عدد أولاده اثنا عشر، ثم نقل الاختلاف في بناته بين قائل بعدم وجود بنات له، وقائل بوجود بنت واحدة اسمها خديجة، وقائل بوجود ثلاث بنات هن: فاطمة وعلية، وأم كلثوم، ونقل الشيخ المفيد وجود قول بأن عدد أولاده أربعة عشر عشرة منهم ذكور والإناث أربعة، ونقل قولا آخر بأن عدد أولاده خمسة عشر ولدا. (البحار ج46 ص155)
كما أنه لايوجد أي دليل قاطع يؤكد على أنه لم يكن من بين بنات الإمام الحسين عليه السلام من بلغت سن الزواج غير فاطمة بنت الحسين عليه السلام.
بل الذي يظهر أن سكينة بنت الحسين كانت في سن الزواج في كربلاء بل وما قبل كربلاء، فقد نقل السيد المقرم عن إسعاف الراغبين للصبان الوارد بهامش نور الأبصار ص202 أنه قد جاء في الحديث أن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين عليه السلام أتى عمه أبا عبدالله الحسين عليه السلام يخطب إحدى ابنتيه فاطمة وسكينة، فقال له أبو عبدالله عليه السلام: أختار لك فاطمة فهي أكثرهما شبها بأمي فاطمة بنت رسول الله (ص)، أما في الدين فتقوم الليل كله وتصوم النهار، وفي الجمال تشبه الحور العين، وأما سكينة فغالب عليها الاستغراق مع الله تعالى فلا تصلح لرجل”. (السيدة سكينة ابنة الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين عليه السلام ص43)
وهذا يعني أنها كانت في سن صالحة للزواج، وقد قدر السيد المقرم أنها كانت يوم الطف بما يقرب من 13 عاما. (المصدر السابق ص135)
ولكن ما يمنع من كونها المسماة للقاسم ما ذكره بعض علماء النسب والتاريخ من أنها كانت زوجة لعبد الله الأكبر ابن الإمام الحسن عليه السلام أخ القاسم. (المصدر السابق ص110)
كما أن رواية العرس لم تذكر اسم البنت المسماة للقاسم حتى يقال أن فاطمة بنت الحسين عليه السلام كانت متزوجة، ولم يكن للإمام الحسين عليه السلام بنت أخرى باسم فاطمة، بل الوارد في النصوص: هو “البنت المسماة للقاسم”، وقد تكون الوصية بأن يتزوج القاسم أصغر بنات الإمام الحسين عليه السلام.

الاعتراض الحادي عشر:
إن الإمام الحسين عليه السلام كان يعلم بأن القاسم بن الحسن عليه السلام سيقتل، فما المصلحة في تزويجه؟ وما الغاية من مجرد إجراء العقد؟ (تجاربي مع المنبر ص100)

الجواب:
إن الاعتراض مبني أساسا على أن التزويج كان باختيار الإمام عليه السلام ولم يكن امتثالا لوصية لازمة، وهو خلاف الواقع كما هو صريح القصة المنقولة، على أنه لو افترضنا أن التزويج كان اختياريا لأمكن الجواب بأن الإمام عليه السلام أراد أن يحظى القاسم بن الحسن بفضل دخول الجنة متزوجا، فإن للتزويج بحسب ما ورد في روايات أهل البيت عليه السلام فضلا عظيما يدركه المراجع لها، وذاك الفضل كاف في جعله باعثا لإجراء صيغة العقد. هذا مضافا إلى ما دل من القرآن والحديث أن الشخص الصالح ستلحقه زوجته الصالحة في الآخرة، وفي هذا الإلحاق مصلحة للطرفين، وخاصة في طرف بنت الإمام الحسين عليه السلام ويعد هذا نوع من إحسان الإمام الحسن عليه السلام لرحمه.

روايات الكاشفي والطريحي والشدقمي

كما أن المصدر الأصلي لهذه الحادثة – فيما بين أيدينا وبحسب حدود تتبعنا المتواضع – هو ما ذكره ملا حسين الكاشفي السبزواري في كتاب روضة الشهداء، ومن الضروري النظر في مدى تطابق الموجود في المنتخب وكتاب تحفة اللباب للشدقمي مع ما سنقوم به من تعريب للنص الفارسي الأصلي للقصة من كتاب روضة الشهداء، إذ أن المقارنة بينها تسلط الضوء على تحديد المصدر الأصلي ومستوى الترجمة مضافا إلى النقطة الأهم وهي أن تعدد التراجم لم تغير من المحتوى الأصلي للقصة فكلها متقاربة من حيث المضمون إلى حد كبير جدا.
وقبل عرض التعريب لابد من التذكير بأن الكاشفي اعتاد في كتابه روضة الشهداء على نقل وقائع كربلاء بأسلوب أدبي فارسي يطعمه أحيانا بأبيات من الشعر، ولقد قمنا بحذف الأشعار الفارسيةلتكون القصة أقرب إلى النص العربي الأصلي الذي قام الكاشفي بترجمته إلى الفارسية.

قال الكاشفي ما ترجمته:
” يقول الراوي: لما نظر القاسم بن الحسن عليه السلام إلى وجه أخيه الذي كان زهرة وادعة في الروض وقد ذبلت بشوكة تلك الحادثة الفتاكة تأوه وأقبل نحو عمه العزيز، وقال باكيا وقد احترق قلبه من نار الحسرة: يا مولاي ويا إمام الكون، ليس لي طاقة بفراق الأقارب (الأحبة)، ولقد أنزلني الزمان من سرير بهجتي إلى تراب الغم والمصيبة، فأذن لي كي أنفس عن الغل الذي خلفه مقتل أخي ولكي أجيب طلب أهل الضلال بحد السنان، فقال الإمام الحسين عليه السلام:
يا عزيز عمه، إنك الذكرى من أخي وأنت أنيس قلبي في هذه الصحراء، فكيف آذن لك وأضع حرقة فراقك في صدري، وخرجت أم القاسم من الخيمة مهرولة وقد واحتضنت بيديها ولدها وصاحت: يا من حل محل قلبي ارفق بي ولا تبتعد عن ناظري ولأنك دواء لقلبي فكن دواء عيني.
والقصة: أن القاسم لم يحظ بإذن الحرب، وكان إخوة الحسين يتهيئون لخوض الحرب، فجاء القاسم إلى الخيمة ووضع رأسه على ركبتيه مهموما، وحينها تذكر أن أباه قد ربط عوذة على ذراعه، وكان قد أخبره: حينما يكون الغم عليك شديدا وأحاط بك اليأس فحل هذه العوذة واقرأها واعمل بما فيها، فقال القاسم لنفسه: طوال فترة حياتي لم يصبني مثل هذا الحال ولم يلم بي غم كهذا، لأقرأ هذا التعويذ وأفهم ما فيه، فحل العوذة من ذراعه وفضها فرأى مكتوبا فيها وبخط يد الإمام الحسن عليه السلام:

“يا قاسم أوصيك إذا رأيت أخي وعمك الإمام الحسين عليه السلام في فلاة كربلاء وقد ابتلي بأهل الشام الملعونين وأهل الكوفة الغادرين فانهض وضع رأسك عند أقدامه وابذل روحك رخيصة، وكلما منعك من القتال معه فبالغ في طلبك وازدد في إلحاحك فإن فداء الحسين عليه السلام مفتاح باب الشهادة وطريق لإدراك السعادة.

وحينما قرأ القاسم هذه الوصية لم يتمالك نفسه من شدة الفرح، فنهض من مجلسه على الفور وتوجه نحو الإمام الحسين عليه السلام وهو يقبل تلك العوذة حال تسليمها، وحينما نظر الإمام الحسين في تلك الرسالة، زفر وتأوه وانتحب بصوت عال ثم قال: “يا بن الأخ، إن هذه وصية أبيك إليك، وأنت تريد العمل بها، وإن لي وصية أخرى منه لك، وإنني أريد العمل بها، فتعال معي إلى هذه الخيمة ونعمل بتلك الوصية، ثم أخذ بيد القاسم إلى الخيمة وطلب إخوته عونا والعباس، وقال لأم القاسم: ألبسي القاسم ثيابه الجدد، وقال لأخته زينب: ائتيني بعيبة أخي في الحال، فأحضروه له ففتح رأس الصندوق وأخرج منه قباء ثمينا للإمام الحسن عليه السلام وألبسه القاسم، ووضع على رأسه عمامة الإمام الحسن عليه السلام بيديه المباركتين، وأخذ بيد البنت المسماة للقاسم وقال: وإن هذه أمانة أبيك التي أوصاك بها، ولقد كانت عندي حتى هذه الساعة سلوة، ثم عقد البنت له، ووضع يدها بيد القاسم وخرج من الخيمة.
كان القاسم ممسكا بيد زوجته ويبكي في وجهها ثم يومئ برأسه نحو الأرض، وإذا به يسمع صيحة من جيش عمر بن سعد: هل من مبارز؟ رفع القاسم يده عن يد زوجته وأراد الخروج من الخيمة، فأمسكت زوجته بذيله وقالت: يا قاسم، ما الذي يدور في خلدك؟ وإلى أين أنت عازم؟
قال القاسم: يا نور عيني، إنني عازم على الميدان، وهمتي محاربة الأعداء، فاتركي ذيلي فإن عرسنا قد تأجل إلى الآخرة.
فقالت الزوجة: إنك تقول أن عرسنا قد تأجل للقيامة، فأين ألقاك في غد القيامة؟ وبأي علامة أعرفك؟
فقال: اطلبيني عند أبي وجدي، واعرفيني بهذا الكم المقطوع، ثم مد يده وقطع كمه وخرج عن زوجته مسرعا.
(روضة الشهداء ص400)

أما النص الذي ذكره الشيخ فخر الدين الطريحي المتوفى سنة 1085 هـ فهو التالي:
“ونقل أيضا لما آل أمر الحسين إلى القتال بكربلاء وقتل جميع أصحابه ووقعت النوبة على أولاد أخيه جاء القاسم بن الحسن وقال: ياعم الإجازة لأمضي إلى هؤلاء الكفرة، فقال له الحسين عليه السلام: يا بن الأخ، أنت من أخي علامة وأريد أن تبقى لأتسلى بك ولم يعطه إجازة للبراز، حزين القلب، وأجاز الحسين إخوته للبراز ولم يجزه، فجلس القاسم متألما ووضع رأسه على رجليه وذكر أن أباه قد ربط له عوذة في كتفه الأيمن، وقال له: إذا أصابك ألم وهم فعليك بحل العوذة وقراءتها وفهم معناها واعمل بكل ما تراه مكتوبا فيها، فقال القاسم لنفسه: مضى سنين علي ولم يصبني من مثل هذا الألم، فحل العوذة وفضها ونظر إلى كتابتها، وإذا فيها: “يا ولدي قاسم، أوصيك إذا رأيت عمك الحسين عليه السلام في كربلاء وقد أحاطت به الأعداء فلا تترك البراز والجهاد لأعداء رسول الله ولا تبخل عليه بروحك، وكلما نهاك عن البراز عاوده ليأذن لك في البراز لتحظى السعادة الأبدية، فقام القاسم من ساعته وأتى إلى الحسين عليه السلام وعرض ما كتب الحسن عليه السلام على عمه الحسين عليه السلام، فلما قرأ الحسين عليه السلام العوذة بكى بكاءا شديدا، ونادى بالويل والثبور وتنفس الصعداء، وقال: يا بن الأخ هذه الوصية لك من أبيك، وعندي وصية أخرى منه لك ولابد من إنفاذها، فمسك الحسين عليه السلام على يد القاسم وأدخله الخيمة وطلب عونا وعباسا، وقال لأم القاسم: ليس للقاسم ثياب جدد، قالت: لا، فقال لأخته زينب: إيتيني بالصندوق فأتته به ووضع بين يديه، ففتحه وأخرج منه قباء الحسن وألبسه القاسم ولف على رأسه عمامة الحسن ومسك بيد ابنته التي كانت مسماة للقاسم فعقد له عليها، وأفرد له خيمة وأخذ بيد البنت ووضعها بيد القاسم وخرج عنهما، فعاد القاسم ينظر إلى ابنة عمه ويبكي إلى أن سمع الأعداء يقولون: هل من مبارز فرمى بيد زوجته وأراد الخروج وهي تقول له: ما يخطر ببالك؟ وما الذي تريد أن تفعله؟ قال لها: أريد ملاقاة الأعداء فإنهم يطلبون البراز، وأني أريد ملاقاتهم، فلزمته ابنة عمه، فقال لها: خلي ذيلي، فإن عرسنا أخرناه إلى الآخرة، فصاحت وناحت وأنت من قلب حزين ودموعها جارية على خديها وهي تقول: يا قاسم، أنت تقول عرسنا أخرناه إلى الآخرة، وفي القيامة بأي شيء أعرفك؟ وفي أي مكان أراك؟ فمسك القاسم يده وضربها على ردنه وقطعها، وقال: يا بنة العم إعرفيني بهذه الردن المقطوعة، قال: فانفجع أهل البيت بالبكاء لفعل القاسم وبكوا بكاء شديدا ونادوا بالويل والثبور”.
( المنتخب ص 365 ، عنه مدينة المعاجز للبحراني ج3 ص 366 المعجزة الرابعة والثمانون برقم 931 / 93).

أما النص الذي ذكره ضامن بن شدقم الشدقمي الحسيني المتوفى بعد الشيخ الطريحي بفترة ليست بالطويلة فهو التالي:
“قد حضر مع عمه الحسين عليه السلام وقعة الطف، فاستأذنه في البراز، فقال له عليه السلام: يا بن أخي أنت لي من أخي علامة، فأريد أن تبقى لأتسلى بك، فجلس مهموما مغموما واضعا رأسه بين ركبتيه، حزين القلب باكيا.
فذكر أن أباه عليه السلام قد عقد له عوذة في عضده الأيمن، وقد قال له: يا بني إذا أصابك ألم أو هم فحلها واقرأها وافهم معناها واعمل بكل ما تراه مكتوبا فيها، فعند ذلك حلها وقرأها، فهذا ما وجده مكتوبا فيها:
“يا ولدي يا قاسم أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإذا رأيت عمك الحسين عليه السلام بكربلاء وقد أحاطته الأعداء، فاطلب منه البراز ولا تترك الجهاد بين يديه على أعداء الله ورسوله وأعدائه، ولا تبخل عليه بروحك، فإذا نهاك فعاوده حتى يأذن لك لتحظى بالسعادة الأبدية”.
فنهض القاسم إلى عمه وعرض عليه العوذة، فتنفس الصعداء، وقال له: يا بني، هذه وصية لك من أبيك، وعندي وصية أخرى منه لك، فلابد من إنفاذها، ثم نهض عليه السلام آخذا بيده وبيد أخويه عون والعباس ودخل بهم الخيمة، وأمر أخته زينب بإحضار الصندوق، وفتحه واستخرج منه قباء أخيه الحسن عليه السلام وعمامته، فألبسهما القاسم وعقد له على ابنته، وأدخله عليها وخرج عنهما.
فجعل القاسم ينظر إليها وهو يبكي، فسمع القوم ينادون هل من مبارز؟ يا قوم ما من مبارز؟‍ إن القوم قد ذلوا، فنهض مسرعا يقول: إن هذا وقت البراز إلى القتال، ليس فيه أعراس ولا حطة عقال، وسنلتقي إن شاء الله الواحد المتعال”. (تحفة اللباب في ذكر نسب السادة الأنجاب ص217)

وخلاصة المطاف:
فنحن لا نريد أن نقول أن القصة حقيقة على نحو الجزم ولكننا نرفض ادعاء كذبها أو نسبتها للخرافة من غير دليل، فضلا عن اعتبار البعض لها إهانة للإمام الحسين ولكربلاء,!!! فما يعتبره بعض المعترضين دليلا على دعوى الخرافة والأسطورة الملفقةلهو أوهى من بيت العنكبوت، بل نؤكد على ما قاله آية الله العظمى التبريزي حيث سئل عن هذا الموضوع، بالسؤال التالي:
سؤال:من المتعارف عندنا في الخليج في شهر محرم الحرام تخصيص اليوم الثامن لشبيه القاسم بن الحسن عليه السلام، ولإثارة الندبة والنياحة، يطرح الخطباء على المنابر مصيبته وينقلونها حسب ما ذكره المؤرخون، ومنها زواجه بابنة عمه المسماة له في يوم الطف، وربما يدخلون ما يعبر عن مراسيم الزواج كالشموع في وسط المجلس، فيزداد حزن الناس، إلا أنه في عصرنا كثر المعترضون على مثل هذه الروايات والتعبير عنها بالضعف، وكأنه الشغل الشاغل لهم، بل بلغ الأمر إلى الاستشكال في قراءة مثل هذه الرواية، فبم تنصحون أمثال هؤلاء حيث أن مصيبة الطف جامعة لكل المصائب؟
فأجاب حفظه الله:
“بسمه تعالى: لا بأس بقراءة هذا المجلس على القاسم بن الحسن، ولكن حسب ما ورد في الكتب التاريخية، بحيث لاتكون قراءته على نحو يترسخ في أذهان الناس أنها حتمية الحصول، بل على نحو الاحتمال، والمسائل المتيقنة والمطمئن بها غير قليلة، فليكن الاهتمام بها أكثر للترسخ في الأذهان للأجيال القادمة لدفع الشبهات التي تحيط بهم، والله الموفق”. (الأنوار الإلهية ص168)

فهل يملك المعترضون بعد كل هذا دليلا على نسبة القصة للخرافة كما يزعمون؟

المصادر:
أسد الغابة في معرفة الصحابة – علي بن محمد الجزري “ابن الأثير” – تصحيح: عادل أحمد الرفاعي – دار إحياء التراث العربي – بيروت – الطبعة الأولى – 1417هـ.
الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية – الميرزا جواد التبريزي – دار الصديقة الشهيدة – قم – إيران – الطبعة الأولى 1422 هـ.
بحار الأنوار – محمد باقر المجلسي – مؤسسة الوفاء – بيروت – الطبعة الثانية – 1983م.
تاريخ الخلفاء الراشدين – جلال الدين عبد الرحمن السيوطي – تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد – الشريف الرضي – قم – الطبعة الأولى – 1411هـ.
تجاربي مع المنبر – أحمد الوائلي – الشريف الرضي – قم – طبعة عام 1378 هـ ش 1999م.
تحفة اللباب في ذكر نسب السادة الأنجاب – ضامن بن شدقم بن علي الشدقمي الحمزي الحسيني المدني – تحقيق: السيد مهدي الرجائي – مكتبة السيد المرعشي – قم – الطبعة الأولى – 1418هـ.
تهذيب الأحكام – محمد بن الحسن الطوسي – تحقيق: السيد حسن الموسوي الخرسان – دار الكتب الإسلامية – طهران – الطبعة الرابعة – 1986م.
الذريعة إلى تصانيف الشيعة – آقا بزرك الطهراني – مؤسسة إسماعيليان – قم – إبران – الطبعة الثالثة – 1408 هـ.
رسالة مختصرة في لبس السواد – الميرزا جواد التبريزي – دار الصديقة الشهيدة – مكتب الميرزا التبريزي – دمشق – الطبعة الأولى – محرم 1421 هـ.
روضة الشهداء (بالفارسية) – ملا حسين الكاشفي – بمقدمة وتصحيح: عقيقي بخشايشي – نشر نويد إسلام – قم – إيران – الطبعة الثانية – ربيع عام 1402 هـ.
السيدة سكينة بنت الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين عليه السلام – السيد عبدالرزاق المقرم – دار الأضواء – بيروت – الطبعة الأولى – 1422هـ.
فتاوى علماء الدين حول الشعائر الحسينية – إعداد مؤسسة المنبر الحسيني – بيروت – لبنان – الطبعة السادسة – 1415 هـ.
فرسان الهيجاء (بالفارسية) – ذبيح الله المحلاتي – مركز نشر كتاب – طهران – إيران – الطبعة الثانية – 1390.
قادتنا كيف نعرفهم – السيد محمد هادي الحسيني الميلاني – تحقيق وتعليق: السيد محمد علي الميلاني – مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم – الطبعة الثانية – 1413هـ.
قاموس الرجال – محمد تقي التستري – تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم – إيران – الطبعة الثانية – 1417 هـ.
الكواكب المشرقة في أنساب وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة – السيد مهدي الرجائي – مكتبة السيد المرعشي – قم – الطبعة الأولى – 1422هـ.
مباني العروة الوثقى (كتاب النكاح) – السيد أبو القاسم الخوئي – تقرير: محمد تقي الخوئي – مطبعة الآداب النجف – 1984م.
مقاتل الطالبيين – أبو الفرج الإصفهاني – تحقيق: أحمد صقر – مؤسسة الأعلمي – بيروت – الطبعة الثانية – 1408هـ.
مجموعة نفيسة – مجموعة من القدماء – دار القارئ – بيروت – الطبعة الأولى – 2002م.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر ودلائل الحجج على البشر – السيد هاشم البحراني – تحقيق ونشر: مؤسسة المعارف الاسلامية – قم – إيران – الطبعة الأولى – 1414 هـ.
المسائل الشرعية – السيد أبو القاسم الخوئي – نشر: مؤسسة الإمام الخوئي – مطبعة ياران – قم – إيران – الطبعة الثالثة – 1416 هـ.
مفردات ألفاظ القرآن – الراغب الإصفهاني – تحقيق: صفوان عدنان داوودي – دار القلم – دمشق – الطبعة الأولى – 1416هـ.
مقتل الحسين – عبد الرزاق المقرم – الشريف الرضي – قم – إيران – الطبعة الأولى 1414 هـ.
الملحمة الحسينية – مرتضى المطهري – المركز العالمي للدراسات الإسلامية – قم – إيران – الطبعة الأولى 1411 هـ.
المنتخب في جمع المراثي والخطب – فخر الدين بن محمد علي الطريحي النجفي المتوفى سنة 1085 – انتشارات الشريف الرضي – قم – إيران – الطبعة الثالثة – 1422 هـ.
منهاج الصالحين – السيد أبو القاسم الخوئي – مطبعة مهر – قم – إيران – الطبعة الثامنة والعشرون – 1410هـ.
موسوعة مقتل الإمام الحسين عليه السلام – إعداد ونشر: محمد عيسى آل مكباس – الطبعة الأولى 1422هـ – قم.
موسوعة مؤلفي الإمامية – إعداد ونشر: مجمع الفكر الإسلامي / قسم الموسوعة – قم – إيران – الطبعة الثانية – 1421 هـ.
وسيلة الدارين في أنصار الحسين – السيد إبراهيم الموسوي الزنجاني – مؤسسة الأعلمي – بيروت – الطبعة الثانية 1982 – 1402 هـ

عن ِِA.A

شاهد أيضاً

سلام على رؤوسكم أيها المطبّرون!

سلام على رؤوسكم أيها المطبّرون! من شفق عاشوراء وبلَجِ فجرٍ شقَّ الدجى وأزاح الظلام، سوف …

أضف تعليقاً