سلام على دموعكم !

سلام على دموعكم !

هنا باب جلاء القلوب ومنهل طهارة الأرواح!
هنا نهر العشق الإلهي الذي يُعمَّد فيه المؤمنون في كل عام
وكل شهر ومناسبة
بل في كل يوم وساعة!
هنا النجباء أتباع البكائين الذين ما إن يطرق مسامعهم اسم أو ذكر وِتر الله في أرضه، ورُزء النبي في سبطه، ومصاب البتول في ولدها، حتى تفيض أعينهم مما عرفوا من الحق.

دموعكم ثروة عظيمة وكنز إلهي ثمين، وهبة ومنَّة وفضل يؤتيه الله من يشاء، يعرفه كل من يتمتع بالروحانية، ويحمل همَّ تهذيب النفس، ويسعى إلى تكاملها والسمو بها، ولو كان يملك مجرد إطلالة على عالم السير والسلوك لعرف عظيم الأمر ومعناه…
أنتم تعرفون وتثمّنون قيمة البكاء، تستبشرون بإراقة الدمع، وترون أن الانفعال الروحي يصل ذروته، والتوازن النفسي يبلغ أدق مراتبه عند البكاء، وما تفيض الدمعة إلا عن جوىً وحرقة عشق وغلبة لوعة، وهذه غنيمة وعلامة، تقفون عند بواعثها ومداليلها، من رقة القلب وسلامة الروح وتمكُّن الحق من النفس، وغلبة الخير، واندحار الغلظة والجلافة، وهزيمة القسوة، ونفي الوقاحة، وكل ما يستولي على قلب الصلف النطف والصدر الشنف، وفي المجموع: اندحار الماديات أمام المعنويات، وغلبة القيم والمثل والمبادئ، على الشهوات، وغايتها النشوة والسعادة، ما يعيد ـ في النفس ـ قراءتها وفهمها وتعريفها، إلى وَضعها في إطارها الصحيح، وإدراجها في التصنيف الأصيل، لا المنخدع بزبرج الدنيا، المنغمس في لذاتها، المحروم من الالتذاذ بالمعنويات والسعادة بالروحانيات؟

وبعد كل هذا وذاك، ترى مؤمناً في دائرة التدين ونطاق الالتزام يغفل عن هذه الثروة، وإسلامياً يدّعي التشيع والولاء يسعى لإتلاف هذا الكنز وتبديد هذا الإرث؟ كيف ينحدر ويهوي بعضهم إلى مصاف الماديين والنواصب؟ ويسقط في ذلك القرار الآسن ويقبع هناك، فلا يدرك قيمة الدمعة، بل يحارب البكاء ويكافح لصرف الموالين عن الاغتسال بهذا الماء القراح، والارتماس في هذا البحر الزلال؟ لست أدري!
بالله أين عسى المرء أن يتوجه إذا نزلت به البلايا وحلَّت النكبات وأحدقت الهزيمة؟ إلى مَن يلجأ إذا استنفذ وُسعه وأعيت حيلته وظهر عجزه؟ هل من سلاح غير الدعاء؟ هل من سبيل غير التوسل؟ هل من باب غير التشفع بأولياء الله؟ ثم هل من طاعة وتقدمة وشفيع أعظم من الدمعة والبكاء على الحسين؟

الحسين وشعائره! هذه هي الجبهة الحقيقة التي يهدفون، والغرض الأصلي الذي يرمون، والغاية النهائية التي يلاحقون! وهم لا يتجرأون على طرحها، فيتناولون التطبير والتشبيه، ويثيرون الشبهة على البذل والإطعام، لكن الحقيقة التي يجبنون عنها: أصل الشعائر وإقامة المآتم. يريدون أن يجعلوا الحسينيات أشبه بحلقاتهم الحزبية: محاضرات ودروس تنظيمية، وتلقين مفاهيم وأفكار التقاطية، وتناول شؤون وأخبار سياسية… لا نوح ولا بكاء، ناهيك بجزع وإدماء.

لعمري، لماذا لا يحترم هؤلاء إرادة الناس، ويستخفون بقناعاتهم؟ وهم ـ في المفترض ـ دعاة وَعي وتعقّل وتنوير، وحملة راية حرية وديمقراطية وتعددية؟!

إن ما يربط السواد الأعظم من الناس بالحسين هو الحب (العاطفة)، والحاجة (يتطلعون إليه كشفيع ووسيلة تقضى به الحاجات وتتحقق النذور)، وهذا باب يُدخل الملايين سنوياً في الالتزام، وينقلهم إلى التعمق في الدين والبصيرة في أحكامه ومعارفه… والمسيرة المشهودة خير دليل، والخط التصاعدي للحالة الدينية في الأمة يثبت هذه الدعوى، ولا أظن سمجاً سيدعي أن هذا من نتاج الأحزاب وعطائها أو الزعماء وجهودهم! فلهؤلاء الصور والملصقات، والسرقة والفساد، والرئاسة والإثراء.

وفي أحسن الفروض وعلى خير المحامل: إنهم كطبيب أو أخصائي تغذية يحاضر في أهمية وَجبة الصباح، وكيف أنها مسمار البدن، ويسهب في بيان فوائدها ودورها في رفد الجسم بالطاقة وإعانته على العمل والإنتاج… ثم يختار شهر رمضان لطرح فكرته هذه!
هكذا الشعائر وهكذا كربلاء، عاطفة وبكاء، تجتذب جميع الشرائح وكافة الطبقات، الملتزم وغير الملتزم، العالم وغير العالم، الغني والفقير، والكبير والصغير. فإذا أراد أحد المس بهذا الأساس والنيل من هذا العمود، سقط البنيان من رأسه وتقوض سقفه على سكنته!
إن أمامكم العام بطوله وعرضه، ولكم السنة من أولها إلى آخرها، لماذا لا تجمعون الناس وتثقفونهم بالمفاهيم التي تريدون، وتتركونهم في هذه العشرة يجلون قلوبهم ويبكون ويطهرون أرواحهم ويتزكون؟ لماذا عجزت المراكز والجمعيات والصروح التي شيِّدت لتنافس الحسين وبيوته، عن اجتذاب الناس وحشد هذه الأعداد؟ لماذا تتطفلون على محافل تسِمونها بالتخلف والرجعية، نذرتم أنفسكم لمحاربتها وتقويضها؟
ثم بالله يا أيها الدعاة، ماذا يشين الدمعة وماذا يعيب البكاء؟ حتى يجلس أحدكم يسمع إنشاداً يبكي الجماد، وهو جامد كنصب أبي الهول، لا يبكي ولا يتباكى، ولا ينكس رأسه، وكأنه عار يأبى ركوبه! ما لكم كيف تحكمون!

من قال لكم إن الدين هو السياسة التي تمارسون؟ أكاد أجزم أن هؤلاء المستغرقون في “وَهم” الحركية والجهاد، لا يعرفون شيئاً عن الجهاد الأكبر وغرباء عن تهذيب النفس! بل لا معرفة لهم بالقرآن وسير الأنبياء! ترى ما هو النشاط السياسي والفعالية الاجتماعية التي كان يمارسها يحيى بن زكريا (الذي كثيراً ما يقرن ذكره بسيد الشهداء عليه السلام)، وما هو العطاء الذي قدمه هذا النبي العظيم لأمته وللبشرية جمعاء؟! ماذا كان يفعل وما هي سيرته؟ حتى بلغ من تحنن الله عليه أنه إذا قال: يا رب! ناداه الله عز وجل: لبيك يا يحيى! كما في الكافي الشريف في معنى وحناناً من لدنا وزكاة؟

في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن يحيى بن زكريا أتى إلى أمه فقال يا أماه انسجي لي مدرعة من شعر وبرنساً من صوف حتى آتي بيت المقدس فأعبد الله مع الأحبار والرهبان. فقالت له أمه حتى يأذن نبي الله. فقال زكريا يا بني ما يدعوك إلى هذا وإنما أنت صبي صغير فقال له يا أبت أما رأيت من هو أصغر سناً مني قد ذاق الموت؟ قال بلى. استجابت له أمه، فتدرع المدرعة على بدنه ووضع البرنس على رأسه ثم أتى بيت المقدس فأقبل يعبد الله عز وجل مع الأحبار حتى أكلت مدرعة الشعر لحمه، وبكى حتى أكلت الدموع لحم خديه وبدا للناظرين أضراسه! فاتخذت له أمه قطعتي لبود يوريان أضراسه وتنشفان دموعه. وكان زكريا عليه السلام إذا أراد أن يعظ بني إسرائيل يلتفت يمينا وشمالاً، فإن رأى يحيى لم يذكر جنة ولا ناراً.

هذه سيرة نبي عظيم، مدحه القرآن وأثنى عليه كما في حديث الرضا عليه السلام: إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد فيخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا، وقد سلم الله يحيى عليه السلام في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته فقال: سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً، وقد سلم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال: والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً.

هذا عطاء البكاء وعطاء الدموع، وهذه سيرة الأنبياء (ما دام القوم يستهجنون التركيز على الأئمة)، وهذا بيان القرآن (ما داموا يرفعون شعار: كونوا قرآنيين لا محدثين)… فعلى ماذا يستندون؟! هل هم أحرص على الدين من الأنبياء والأئمة؟ هل هم أقدر على فهم الإسلام وسبر غوره واستنباط مفاهيمه وأفكاره من الفقهاء والعلماء المنقطعين إلى البحث والدراسة، المكبين على التربية والتزكية؟

ومن نافلة القول إننا لا نريد نفي قيمة المفاهيم الدينية والفكر الإسلامي، وضرورة تحين فرص تعليم الشباب وتثقيفم، ولكن لكل مقام مقال
ولكل مناسبة خطاب، وهذا موسم عزاء، تنشر فيه السماء رايات الحزن وتعقد الملائكة والأنبياء والأئمة المآتم! ونحن نأتم بهم ونجاريهم، فإذا فرغنا من هذا الواجب، عمدنا إلى غيره في سائر أيام العام.

ونصيحتنا لأولئك المضلّون: لا تقربوا هذه الشجرة، ولا تصغوا إلى شياطينكم، فتبدوا سوءاتكم وتنكشف عوراتكم وليس ثمة ورق تخصفونه عليها، فأنتم مطرودون من جنة الولاء، منغمسون في هذه الدنيا الدنية، منشغلون بالاتجار والصفقات.. اتركونا نمضي إلى ما خلقنا له، دعوا الدين لأهله، وانصرفوا أنتم لشأنكم، وعليكم… جر الذيول!

“أفمن يشرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، أولئك في ضلال مبين”.

عن ِِA.A

شاهد أيضاً

سلام على رؤوسكم أيها المطبّرون!

سلام على رؤوسكم أيها المطبّرون! من شفق عاشوراء وبلَجِ فجرٍ شقَّ الدجى وأزاح الظلام، سوف …

أضف تعليقاً